الأعمال الحديثة......
المسيرة الفنية.....










كسوف الذاكرة
تحليل بقلم الناقدة السيدة ماري جان لاتاكس، باريس 1994
ترجمة الدكتور أحمد منور
أراء نقدية......
المعارض الأخيرة.....
كسوف الذاكرة.....
مرآة أسطورة.....
كريستال 2006.....
قصائد صدفية.....
أخبار ثقافية......
الإذاعة الجزائرية.....
فنون عربية.....
تعرض
علينا السيدة في هذا المقال بعض اللوحات للفنان التشكيلي الجزائري الطاهر ومان، من
خلال كتالوج لعشر لوحات هي: "علامات في فراغ"، "صوان"، "الواحة الصدفية"، "ذوبان
الحروف"، "كسوف فجر"، "كسوف صفاء"، "كــسـوف الـذاكـرة"، "الطين/العسل
والشعر"، "دلالة الدباغ"، "ذكريات خامدة". فلأول
نظرة ألقيتها على الأعمال الفنية المقدمة في هذا الكتالوج فكرت أنه لا يمكن لها أن
تكون لنفس الفنان، نظرا لتنوعها، غير أنني غيرت رأيي عندما درستها. إنني أميل أكثر
إلى الانطباع الذي كونته وهو أن الأعمال الفنية العشرة لم ترسم بالضرورة كلها في
مدينة الجزائر، وإنما أنجز بعضها، أو استلهمها من جنوب الجزائر، الذي يعود أصل
الفنان إليه. إن
لهذه الرسوم نقاطا مشتركة، إنها تقوم جميعا على موضوع الصلاة، أو الجانب
الروحاني.إن الكاليغرافيا (فن الخط) لها درجات مكثفة إلى حد ما، واسعة أو دقيقة،
والعلامات المنغلقة أو المنفتحة فيها بصفة عامة غير مقروءة، إن الزاوية القائمة أو
المثلث هي الأشكال السائدة في هذه اللوحات. وكل عمل فني يمثل ثنائية: معركة الضمير
الإنساني في تلقي الأشياء، سواء باختلافات اللون المتدرج، أو ببساطة: بخط أبيض في
الغالب،يفصل العمل إلى جزأين (ليسا متساويين بالضرورة). إنها تتموقع جميعها في عالم
فضائي.إن الاتجاه، اتجاه اليمين أو اليسار، فوق وتحت لا وجود له. ثلاثة أعمال شديدة التلوين
هي أساس من"كلاسيكيات"الفنان، إنها أعمال فنية دينية مقدسة، إنها صلوات أقرب ما
تكون إلى العبادة اليومية في الواقع المعيش، مع حيوية شديدة. إن ومان يقول بأنه يرتل آيات القرآن وهويرسم... |
||
![]() |
||
|
"علامات في الفراغ"
(82 في 80 سم) هو العمل الفني الوحيد الذي رأيته، وفيه يبدو الرسم ناعما، وهو علامة
التميز. إن الأسود والأبيض يثمنان الألوان القوية مثل أحمرشقائق النعمان، والأخضر،
والأصفر، وفي القسم الأعلى للوحة، بواسطة ألوان رمادية ضاربة إلى الزرقة، وفي الوسط
بألوان حمراء طينية، فإن الحروف التي هي غير قابلة للقراءة في معظمها أكثر وضوحا في
داخل مستطيل غيرمغلق. وعلى يسار اللوحة هناك مربع تجريدي، وكذا الجانب الأعلى على
اليسار، في ألوان رمادية، وإلى اليمين هناك ألوان سوداء غامقة. إنني أجد نفسي
مدفوعة إلى القول: إن هذا القسم هو حقيقة ملمح شديد الحساسية لروح الفنان في
قناعاته الدينية. فراغ
أبيض، محايد، تجريدي، يفصل أسفل اللوحة عن أعلاها. في الجزء ألأسفل من الرسم تأتي
الصلاة من الأعماق، إن هذا الجزء شديد القتامة. هناك سواد كثير، واللون أكثر
انطفاء، والفراغات رمادية ضاربة إلى الزرقة، والألوان تنحو نحو الحمرة الداكنة، وقد
رسمت بها حروف، ولكن التجريد فيها حاضر بقوة. |
||
![]() |
||
|
|
||
|
"ذوبان
الحروف" (120
في 80 سم) هي لوحة دينية، ولها وحدة في الألوان وهو ما لا نجده في اللوحات الأخرى
للطاهر ومان. إنها عبارة عن رسم تدرجي من الداكن إلى الفاتح: أزرق خفيف كسماء
صافية، وهذا يعطي مظهرا شديد الروحانية. إنها عبارة عن دعاء وخضوع إلى الله. وكما
يدل عليها عنوانها، فإن الحروف فيها ذائبة في الألوان الفاتحة، وهي أصغر مما هي
عليه في اللوحات الأخرى. إن هندسة هذه اللوحة تقوم على هندسة جمالية خاصة بالفن
العربي، إنها تتشكل على النحو التالي: هناك خط عمودي ينزل من أعلى اللوحة إلى حدود
1 سم من الطرف الأسفل، ويمثل أقل بقليل من ثلث اللوحة من حيث العرض، وهو مكون من
مربعات ومستطيلات موضوعة سواء بالطول أو بالعرض، وفي الأعلى توجد زاوية هابطة، وفي
الجزء الآخر من اللوحة هناك حلقات مائلة تخترقها من أعلاها إلى أسفلها تقريبا،
وهناك خطوط أخرى تقطعها عكسا بشكل مائل في اتجاه العرض، مكونة مستطيلات ذات أحجام
متفاوتة، وهناك دوائر أو أرباع دوائر مكتوبة بحروف مقلوبة، ترصع من الداخل أشكالا
مربعة ومستطيلة. وفي داخل هذه الخطوط الدائرية المشكلة، والتي تتوسع بواسطة علامات
كتابية واضحة جدا، وبعضها ممحو بفعل الزمن. وبما يتعلق الأمر ببصمات متخيلة
ومبتدعة عن تدوين القرآن، إذ أن القرآن كان قد دون في أول الأمر في عهد الرسول
محمد(ص) بعد نزول الوحي عليه عن طريق الملاك جبريل، على أشياء مختلفة، من جملتها
ألواح فخارية، وقد أتلفت تلك الأشياء بعد أن دونت كل نصوص القرآن في مصحف من قبل
الخليفة عثمان. ومن الجدير بالملاحظة أن هذه اللوحة هي الوحيدة التي تتضمن الشكل
الدائري في هذا الكتالوج.وقد لون الجزء الأسفل الذي هو أقل بقليل من الثلث بالأزرق
الأكثر لطافة، وفي هذا المستطيل تبدو لنا ضآلة الإنسان أمام عظمة الخالق.
|
يلي هذه اللوحة أربع لوحات من الحجم الصغير التي يكون الفنان قد فكر فيها أو أنجز ليعبر فيها عن حبه لمسقط رأسه، وفيها نجد الشعر حاضرا أكثر من الصلاة، فهل هي رسومات أكثر تجريدية؟ (وبالنظر إلى حجمها الصغير فإنها سهلة النقل مثل دفتر سفر). |
||
![]() |
||
|
"كسوف فجر" (27
في 12 سم) تمثل اليقظة، وبهجة الحياة، وشعر ما بعد النوم. تلهو الشمس في هذه اللوحة على غلالة برتقالية ذائبة، مشكلة ثنايا زاوية مع تنويعات لونية ساخنة تذهب من الأحمر المخضر إلى التدرج الأكثر صفاء، في شاعرية ساهمة، ثم تأتي استدارة خفيفة في شكل عطفة صغيرة، وهناك حد آخر أقل وضوحا يأخذنا إلى حدود طقس البياض لهذه الأعمال الفنية الصغيرة، هذه الحدود التي تغلق بواسطة أفق يقع في أعلى الوسط قليلا للوحة "كسوف فجر". ففي هذه اللحظة من لحظات النهار، تكون الروح في قمة حيويتها وإبداعها، والهدوء يولد الشاعرية، هكذا تكتب كلمات القصائد وأناشيد المجد والحب، في إيقاعات قوية للون السماء الكثيف بشكل استثنائي، في الصباح الباكر، وفي انعكاسات الضوء الذي نحس به إحساس أقوى من أول جزء في اللوحة. وهناك استدارة واسعة على الجزء الأكثر صفرة برتقالية، انحناءة ترفع ثنية، الأكثر احمرارا، وهناك انحناءة بياض أخرى تظهر من جديد. |
||
![]() |
||
|
"كسوف صفاء" (27
في 12سم) كل من يعرف ومان الطاهر يعرف أنه ليس رساما وخطاط وحسب، ولكنه شاعر أيضا.
في زرقة السماء اللامتناهية يبحث عن نشيد ليعبر عن فكرته الأعمق. علامات شديدة
العمق، غير محددة المعالم مرة أخرى، تنثال في ذهنه مع مقاطع أكثر صفاء وتجريدا،
كأنها سحائب متحركة تدفع بها الرياح. بياض متقطع يعبر الفضاء للوصول إلى كيان أكثر
تحديدا وأكثر وضوحا في عمله الفني، كأنه يقدر بتواضع أن التفكير الإنساني يمكن
دائما أن يعاد فيه النظر، وإذن فهو قابل للتطوير. |
||
![]() |
||
|
"كسوف الذاكرة"
(23 في 33سم) وهذا العمل المربع الشكل هو مستلهم كما يبدو من قصة مصرية قديمة،
فهناك هرم قد رسمت معالمه بسرعة في الأسفل على يمين اللوحة، والعلامات المدونة ليست
الكتابة الممثلة للهيروغليفية، ولكنها كتابة مبتدعة بسرية، مفهومة للفنان فقط، تعيد
رسم ملحمة بعيدة لا يتذكرها تذكرا تاما. هذا الانطباع تعطيه الغلالة الخفيفة التي تهبط ضاربة إلى الأزرق وتغطي
أكثر من النصف الأعلى لـ"كسوف الذاكرة"
تقوي الشكل الهرمي أكثر. في وسط اليمين هناك مستطيل أبيض ضارب إلى الزرقة، بعلامات
ممحوة، يتبعه شكل آخر مستطيل رمادي أبيض، تبدو فيه العلامات الزرقاء ترصع الرسم،
وشكل الهرم. في الجزء الأيسر من اللوحة تبدو الغلالة أكثر عمقا، وخطوط الكتابة أكثر
انمحاء، وهناك مثلث رمادي متوسط بعلامات بالكاد ملونة بالأزرق، من أجل إخفائها تحت
غلالة أخرى زرقاء، محاطة ببعض البياض، متحدية كل قوانين
الجاذبية. |
||
![]() |
||
"الطين/العسل والشعر"
(27 في 14 سم) الأيدي تضغط على الطين المبلل ثم تسحب لتترك آثارا في الأرض، إنه لعب
نقوم به ونحن نحلم في لحظة فسحة، تدفعنا حتى إلى كتابة كلمات من أجل متعة أن نترك
بصمتنا في الأرض، مع رغبة لا تقاوم في عجنه. في ذات اللحظة ترفع الريح بهدوء ستار
الخيمة، وفي ثنايا ثوب مرفرف في الهواء، تبدو العيون مليئةبالرغبة في كتابة قصائد
ملحمية من الزمن الماضي. الألوان الطينية الحمراء والخضراء تتبادل الأصداء اللونية
من أعلى الخط الأبيض الذي يفصل الأرض الصلصالية للنسيج اللين. |
||
![]() |
||
|
"دلالة الدباغ" (24
في 14 سم) شخصيا أعتبر هذا الرسم كتمزق للكائن البشري. إن
اللون هنا هو لون الدم الممزوج بالتربة مع تدرجات يمكنالقول عنها بأنها قوية،
واللوحة مفصولة إلى شطرين بواسطة خط صاعد واسع من ناحية اليمين، ولكن أيضا بواسطة
خط عمودي يعبر كامل اللوحة تقريبا، ظاهر بشكل رئيسي، وحتى حدود الجزء الأسفل. وهناك
مثلثات متفاوتة الحجم قد رسمت أفقيا، ينتهي اثنان منها بنقاط... وبقع دم في حدود
السواد، والحروف عريضة ومرتجة، أقل وضوحا في الأسفل، وتمتد أفقيا مضاعفة من كثافة
الألوان في مستوى الخط الأبيض المعترض. الجزء الأعلى من اللوحة كأنه جامد، أكثر
قتامة في الحدود العليا، وزوايا حادة تتجه نحو السماء بألوان قوية في الأغلب، أكثر
صفاء وأكثر عرضا من تلك التي تهبط نحو الخط الأبيض المركزي المستعرض.في هذا العمل
الفني الدرامي جدا هناك نص صغير في الأعلى يسارا، لابد أنه يتحدث عن
الأمل.. |
||
![]() |
||
|
"ذكريات خامدة":
في هذه اللوحة التي نقلت في الكتالوج بمقاساتها الحقيقيـة تقريبـا (32
في15
سم) هناك حني للماضي - كما يشير إليه العنوان - ألا يتضمن تساؤلا فالعمق؟ في الواقع
أنني فكرت في الحين بكثير من القناعة، بل بيقين في "غوغان" (Gauguin).
كنت مضطربة، وتساءلت في نفسي عما إذا كان رسم تمثيلي (Figuratif)
يمكن له أن يشبه رسما تجريديا دون أن يكون فيه أي تماثل مع الإنسان؟وبعد أن قمت
ببعض الأبحاث المحدودة وجدت أعمال غوغان، في المعروضات الكبرى للفنون الجميلة (في
اللوحات الخارجة عن المجموعة، ومرجعها M
1584618 H5-45 RD،
التيتشرف عليها محافظة المتحف السيدة "كلير فريشز توري" وجدت لوحة "تاماتيت"
(السوق) التي يعود تاريخها إلى سنة 1892
، وهي لوحة زيتية على قماش (73
في 91.5
سم)
في كونست ميوزيم بمدينة "بال". إنها رسم لقبر من قبور "طيبة" يعود إلى الأسرة
الثامنة عشر، أضاف إليه غوغان بكيفية حرفية تقريبا موضوع أولئك النسوة الجالسات،
وأعاد رسم تجاور تمثال نصفي مواجه، على أجسام جالسة جانبيا. تبدو الوجوه جامدة في
هيئة كهنوتية غريبة عن الفتور البولينيزي. إن غوغان يعبر عن حساسيته نحو كل "فن
بدائي". إن
"الذكريات الخامدة" هي الخلاصة المصغرة، وفك الشفرة للوحة "السوق". إن حامل المساحة
المرسومة في حجر الغرانيت والزوايا فيه حاضرة، والكتابة، وحتى الألوان (حيث أنه
يمكن أن تكون هناك عدم ثقة محاكاة جيدة): هناك ألوان رمادية بيضاء وصفراء وخضراء
وحمراء وبنفسجية. على هذا النحو يعبر الفن لزمن دون أن نعرف الأسباب بالضبط، ولا
الطرق التي سلكها، ولكنه ينتهي إلى أداء مهمة تفضي إلى مشاريع تنجز في
المستقبل. يقول
هيبوقراط
: "إن الفن طويل، والحياة قصيرة".
|